ويكيبيديا والذكاء الاصطناعي ومستقبل التفكير النقدي: حقيقة أم دعاية؟
عقب لقاء مع بيلار راهولا في بونتا ديل إستي، كانت محاضرتها هي ما أثار التأمّل التالي: في أزمنة يفيض فيها المعلومات ويندر التمييز، يُزاح التفكير النقدي بحياد موهوم لم تأتِ لا ويكيبيديا ولا الذكاء الاصطناعي لإنقاذنا منه.
كانت راهولا مباشِرة: “ويكيبيديا كيس من الأكاذيب”، لا مبالغةً بلاغية، بل تحذيراً من أنّ ما يُتصوَّر غالباً مصدراً محايداً وموثوقاً هو في الواقع أداة ذات توجّه أيديولوجي. وبحسبها، لكلّ بلد “مدير” لويكيبيديا، وهذا الدور ليس خالياً من الدلالات السياسية.
بدل أن تُستخدَم لفتح الأسئلة، تسدّ ويكيبيديا التفكير غالباً. بنيتها التشاركية تمنح وهم حياد لا يصمد أمام تحليل دقيق: ما يُعرَض حقيقةً موسوعية هو في كثير من الأحيان نتيجة صراع بين محرّرين وجماعات ضغط وحساسيات أيديولوجية. ودون قراءة نقدية، يُتلقَّى هذا التوافق ضمانةً للحقيقة، ويُختزَل العمل التحريري إلى استنساخ بدل أن يسائل أو يجدّد أو يوسّع وجهات النظر.
هل يمكن الوثوق بويكيبيديا مصدراً محايداً؟
اليوم، تبني هيئات تحرير صحافية كثيرة سياساتها التحريرية على ما تقوله ويكيبيديا، التي تحوّلت من أداة مساعدة إلى مصدر رئيسي. ما يُفترَض أن يكون نقطة انطلاق صار إنجيل المعلومات لجيل يخلط بين التوافق والحقيقة وبين التحرير والموضوعية.
لا تنفي راهولا فائدتها، لكنّها تحذّر من خطورة جعلها سلطة نهائية، إذ إنّ مداخلها —القابلة للتحرير على يد أشخاص ذوي أجندات سياسية ممكنة— تعكس موازين القوى في اللحظة أكثر مما تعكس بحثاً حقيقياً عن الحقيقة.
خطر فقدان الفروق الدقيقة
لعلّ أهمّ نقطة تثيرها راهولا هي خطر فقدان التعقيد. بكلماتها: “إن كان يصعب علينا الآن أن نجعل التفكير معقّداً، فمع الذكاء الاصطناعي سيصعب علينا أكثر”. لا يتعلّق الأمر بالحقيقة وحدها، بل بالقدرة الإنسانية على تدقيق الفروق، التشكيك، المقارنة والمساءلة.
التفكير في العمق يتطلّب وقتاً وسياقاً وتناقضاً واحتمالاً للخطأ. لكن لا شيء من ذلك يناسب معايير الكفاءة الخوارزمية. ثقافة النقر السريع والتلخيص الآلي والحاجة إلى إنتاج أجوبة فورية تزيح ذلك الفضاء الحيوي الذي تزدهر فيه الأفكار: التفكير النقدي.
التفكير في العمق يتطلّب وقتاً وسياقاً وتناقضاً واحتمالاً للخطأ. لكن لا شيء من ذلك يناسب معايير الكفاءة الخوارزمية.
كما كان زيغمونت باومان ليقول، “استبدلنا بالمحادثة النقر”، وفي ما سمّاه باومان “الأزمنة السائلة”، “يتحلّل التفكير النقدي: يصير فورياً، مجزّأً، وأقلّ فأقلّ قدرةً على احتواء الفروق”.
الذكاء الاصطناعي: تصحيح أم تضخيم للانحيازات؟
يدخل الذكاء الاصطناعي هذا المشهد حكماً جديداً لـ"الحقيقي"، لكنّه في الواقع يعمل على أساس البيانات التي دُرِّب عليها. “لا حقيقة خالصة، ولا معلومات خالصة موجودة”، تشير راهولا. المشكلة ليست أنّ الآلات تعالج المعلومات، بل أنّها تفعل ذلك انطلاقاً من أنظمة مشروطة سلفاً بأحكام مسبقة أو مصالح أو سرديات مهيمنة.
إن كانت ويكيبيديا مرآة مشوّهة، فالذكاء الاصطناعي عدسة مكبّرة تضخّم هذا التشويه. ويفعل ذلك بشرعية الآلي والرياضي و"المحايد". لكنّ الحياد، في سياقات مؤدلَجة، وهم، وكأيّ وهم — مُضلِّل.
الذكاء الاصطناعي، بعيداً عن أن يعيد إلينا التعقيد، يميل إلى التبسيط: إنه مصمَّم لتقديم أجوبة سريعة ووظيفية، لا لاحتواء الشكّ أو تشجيع النقد. بهذه الكفاءة المعقّمة المتنكّرة في زيّ التقدّم، ما يُضحَّى به غالباً هو الحُكم الإنساني. الذكاء الاصطناعي لا يفكّر: إنه يستنسخ أنماطاً. وإن كانت هذه الأنماط منحازة، تُصدَّق بسلطة تقنية في بيئة لا تجد فيها الفروق المكان الذي يتطلّبه التفكير النقدي.
الخطر ليس فقط أن يعطينا الذكاء الاصطناعي أجوبة خاطئة، بل أن يعطيها بثقة بالغة حتى نكفّ عن السؤال إن كانت صحيحة. هذا هو الإفقار الحقيقي للتفكير: حين يستسلم التمييز للراحة.
في هذا المشهد، يعمل تحذير راهولا نداءَ يقظة: ألّا ندع أنظمة معتمة تملي علينا ما نفكّر فيه. ويكيبيديا، الذكاء الاصطناعي، خوارزميات البحث والتلخيصات الآلية يمكن أن تكون أدوات نافعة، لكن لا بدائل أبداً عن التمييز الشخصي.
لأنّ ما يحدّد مجتمعاً حرّاً هو قدرته على التفكير باستقلال، حتى، وخصوصاً، حين تبدو التوافقات غير قابلة للنقض.
صدى مذهبي: فصل المرآة الخوارزمية من العقل المُحاصَر لجيمي بايكوفيسيوس