عذر تساوي المسافة
في عصر سكران بالمطلقات، يتنكّر التنصّل من الحُكم في زيّ الحصافة. صيغ مثل “الجميع سواء في السوء” أو “اللوم مشترك” أو “الحقيقة في الوسط” تتقنّع بالحكمة وبحياد أعلى.
تخفي هذه العبارات نقيضها: إنها تعمل أعذاراً مصمَّمة لسدّ مطلب الفكر ومسؤولية الحُكم.
من فصل حنّة أرندت
الحُكم الذي لا يسمح لنفسه بأن يُحاكَم لم يعد حُكماً: لقد صار شعاراً.
من كتاب العقل المُحاصَر.
تساوي المسافة تنصّلاً
إعلان تساوي الشرور يكلّف أقلّ من فهم اختلافاتها. تساوي المسافة يقطع جهد التفكير في الوقائع الملموسة؛ وبذريعة لا تحيّز موهوم، يذيب التمييزات الأخلاقية الحقيقية. إعلان الحياد أمام فظائع موثَّقة تنصّلٌ مكتوب بخطّ جميل.
التفكير هو ذلك الحوار الصامت الذي تجريه النفس مع نفسها.
— حنّة أرندت، حياة العقل (١٩٧٨)
تساوي المسافة يفلت من الحُكم بالقصور الذاتي؛ التقمّص الضحوي يسدّه بالإكراه. في الأولى، يُهجَر الحُكم. في الثانية، يُحظَر باسم تفوّق أخلاقي.
التقمّص الضحوي درعاً مطلقاً
استبدال الحُكم بالظلم التاريخي يولّد تشكيلاً سياسياً مشوّهاً: تحويل المعاناة عذراً. كلّ نقد لأساليب المظلوم يُرفَض فوراً تواطؤاً مع المضطهِد. يُلغى النقاش تحت شعار واحد: كيف تجرؤ على مقارنة الضحيّة بالجلّاد؟
يقتضي الحُكم فحص أفعالك أنت؛ التقمّص الضحوي المطلق يُعفي من هذا الفحص. من يحوّل الألم امتيازاً معرفياً يتنصّل من المسؤولية التأمّلية. المعاناة تقتضي حُكماً أشدّ صرامة، لا تمنح أبداً رخصة الكفّ عن الحُكم.
مجرّد انعدام التفكير […] هو ما أهّله ليصير أكبر مجرمي زمنه.
— حنّة أرندت، أيخمان في القدس (١٩٦٣)
الدفاع عن النفس حقّ لا يُنتقَص. لكنّ الدفاع دون تفكير يبدأ الانهيار الأخلاقي الذاتي. التفكير يرسم الخطّ الأخلاقي الذي يكبح العنف قبل أن يتعاظم ويبتلع الغاية التي أراد الدفاع عنها.
إلغاء العالم المشترك
يفقد الحُكم أساسه دون أفق واقع مشترك. الردّ على هجوم موثَّق باستحضار “سرديات متعارضة” يقضم الأساس الواقعي للتعايش. تساوي المسافة الساخر يساوي بين وقائع مُثبَتة ودعاية على مستوى واحد من الحكايات: يمحو الحدّ بين الحقيقة والكذب.
الاستخدام الخفيف لمفاهيم قانونية عليا يعمل بالمنطق نفسه. تُفرَّغ الكلمة من شروطها القانونية وتصير قذيفة بلاغية. يهجر الاتّهام الإشارة إلى سلوك ليحدّد ماهية إجرامية: يستبدل بالبرهان الإدانة المُسبقة.
الحقيقة المتبخّرة تسلّم كامل أرضها للدعاية. الحُكم المحيَّد يمهّد الأرض للعنف.
التفكير فعلَ مقاومة
يكمن الخطر الحقيقي في التنصّل السلبي من حُكم الشرّ. لا يحتاج الشرّ إلى وحوش: يكفيه أفراد يكرّرون الشعارات دون أن يتوقّفوا لفحص الواقع.
التفكير هو الفعل الأوّل للكرامة أمام الفظاعة. في هذه الحراسة غير المتحيّزة، يصون الفكر العالم المشترك الذي تسعى تساوي المسافة والشعار إلى ابتلاعه.
الحقيقة المحزنة أنّ معظم الشرّ يصنعه أناس لم يحسموا قطّ أن يكونوا صالحين أو طالحين.
— حنّة أرندت، حياة العقل (١٩٧٨)
صدى مذهبي: فصل حنّة أرندت من العقل المُحاصَر لجيمي بايكوفيسيوس