روبرتو كانيسا عن الواقع والحدود ومجتمع الثلج
هذا الحوار مع روبرتو كانيسا، طبيب قلب أطفال وأحد ستة عشر ناجياً من الأنديز، سُجِّل في الأسابيع الأولى للجائحة. لا يتناول السياسة: يكشف الأرض التي تسندها. الواقع المقبول دون عذر، الحدّ المُستبطَن، الحياة التي تكفي نفسها. يُنشَر حواراً مُحرَّراً. في حوار ثانٍ لـ jikatuTV ترك صيغة توازنه: “أكثر ما في الإنسان إنسانيةً هو الأساسيّ”.
آراء المُحاوَر آراؤه؛ قسم الحوارات لا يعني تطابقاً مذهبياً.
في حوار مع فصل ألبير كامو
المتمرّد يقول نعم للواقع في الفعل نفسه الذي يقول فيه لا للعذر.
كلمات روبرتو كانيسا، في حوار مع العقل المُحاصَر لجيمي بايكوفيسيوس.
الشغف بالواقع
روبرتو: أعتقد أنّ تقبّل الواقع هو أفضل سبيل للتقدّم. هذا ما قاله داروين: الأنواع التي تتكيّف هي التي تبقى؛ التي لا تتكيّف تختفي. لديّ شغف كبير بالواقع. أحبّ الواقع. لا يزعجني أن يكون الواقع غير جيّد، كهذه الجائحة. أظنّ أنّي سأشتاق إلى الجائحة، لأنّها أجبرتني على إعادة برمجة نفسي بطريقة مختلفة تماماً. الذهاب للبحث عن الواقع في تلك اللحظة، لإيجاده والتكيّف معه. وأحبّ تلك العبارة لأسوسينا: “الحياة غيّرتنا تماماً، لكنّها الأفضل، لأنّها التي وقعت في نصيبنا”.
الحدود في الداخل
جيمي: تقول إنّك لست مثالاً على شيء. لماذا تقول ذلك؟
روبرتو: لأنّ لكلّ واحد إمكاناته. كنت محظوظاً بالإمكانات التي منحتني إياها الحياة؛ الأشياء التي فعلتها، فعلتها لأنّ الإمكانات أُتيحت لي. لا أستطيع أن أكون مثالاً لشخص على كرسيّ متحرّك أو لشخص يعيش في عوز. فعلتُ ما كان عليّ فعله بما كان لديّ. على كلّ واحد أن يكون مثالاً لنفسه في الأشياء التي عليه تحقيقها. لكنّي أحبّ أن أدفع الحدود. يمتعني دوار أن تكون الحدود في الخارج، لأنّي أعتقد أنّ كثيراً من الحدود في داخلنا نحن أنفسنا. حين خرجتُ أمشي في الجبل، كان الحدّ أن أصل، وأن أستمتع بالتقدّم. مع أجهزة التنفّس، ما كان الحدّ؟ الوصول إلى جهاز تنفّس.
جيمي: أدين لك بنقد: أنا مهندس، ولم أشعر أنّ وقتك مع أجهزة التنفّس استُثمر جيّداً. إنها آلة معقّدة، متطوّرة.
روبرتو: لم أفكّر قطّ أن أصنع أجهزة التنفّس بنفسي. فكّرت دائماً في جمع من يصنعونها. ما لم أرده هو أن ينفجر الوباء وأنا لم أفعل شيئاً.
هل الفيروس حياة؟
جيمي: في مقطع من كتابك تقول إنّنا لا نريد أن نصير لاعضويّين. والآن لدينا فيروس هو معلومات جينية: داخلنا يستطيع التكاثر، خارجنا شيء وسط بين الحياة واللاعضويّ. وشيء كهذا يجثو على ركبتيه البشريةَ جمعاء.
روبرتو: لا: الفيروس حياة. الفيروس حياة داخل الناس، كما لم نستطع نحن أن نكون حياة في الجبل، لأنّ اللاعضويّ كان في الخارج. ما يدريك أنّ الفيروس ليس له أجداد وأحفاد وآباء؟ ما يدريك ماذا يشعر فيروس؟ بأيّ سلطة تتكلّم عن ذلك؟
جيمي: ربّما بالتعريف: وحده لا يستطيع التكاثر. يعتمد على كائن.
روبرتو: إنها قوانين وضعناها نحن. إنها أنظمة حيّة تتعايش. في اللحظة التي يوجد فيها تنظيم وبنية، أعتقد أنّ ثمّة حياة، لأنّ الفرق بين العضويّ واللاعضويّ أنّ للعضويّ نسبة معيّنة تقودها قوّة عليا مجهولة. وفي النهاية، المرض هو صحّة الميكروبات والأطبّاء: بفضلهم يعيشون.
مجتمع الثلج
جيمي: بعد قرابة خمسين عاماً إضافية من الحياة، هل تبيّن لك شيء في مجتمع السهل أصعب من مجتمع الثلج؟
روبرتو: نعم. أخي تعرّض لحادث كبير جدّاً وكان في غيبوبة، وتعلّمت أنّ ما هو أحزن بكثير ممّا يصيبك أنت هو ما يصيب عزيزاً عليك. كان ذلك مروّعاً. شعار الجبل كان: ربّما غداً، وما دامت ثمّة حياة ثمّة أمل. كنّا قليلي الطموح. الأمر نفسه مع هذه الجائحة: علينا أن نخفض الطموحات. لا يصحّ أنّك إن لم تستطع تبديل السيّارة لا تنام. منحنا هذا حمّام تواضع، أنسنة. كنّا متمادين في المادّية، ولا يساورني شكّ أنّ المادّية تُوثِّنك: تنزع عنك الروحانية. محاربة المادّية حرب لديّ أحبّ خوضها.
جيمي: تقول إنّ تحدّي الحياة ليس أن نموت: بل أن نحيا جيّداً.
روبرتو: أن تشعر بالسعادة. والسعادة في إسعاد الآخرين. ليست السعادة في داخلك.
جيمي: وأنا أقرأ الكتاب، أثّر فيّ نوما توركاتي بقوّة. رأيته أحد أكبر المناضلين. حدّثني عنه.
روبرتو: كان يحبّ الآخرين أكثر من نفسه. أجّل نفسه. كان يزن ستّين كيلوغراماً وكان عليه الخروج سريعاً، لم يكن يستطيع الانتظار: وإلّا، فلن تفسّر أنّه خرج يمشي في اليوم التالي بحذاء موكاسين. أنا لست كريماً كنوما، بلا شكّ.
الحظّ يُدرَّب
جيمي: حاورت مؤخّراً دييغو أغيري وهو يستخدم كثيراً عبارة: الحظّ يُدرَّب. مررتم بظروف كان فيها أيّ التواء، أيّ سقطة، وتبقون في الطريق. ومع ذلك لم يحدث لكم. كيف ترى الحظّ؟
روبرتو: في الكورديليرا كنّا قد خفّفنا أوزاننا كثيراً. كان لي هيكل لثمانين كيلوغراماً وكنت أزن خمسين: كان صعباً جدّاً أن ألتوي وأنا أزن ثلاثين بالمئة أقلّ. كان ذلك تحويل مشكلة إلى ميزة. وأتذكّر لاعب بيسبول حقّق ثمانية هوم رنز في يوم واحد. سألوه: يا له من حظّ. فقال: “كلّما تدرّبت أكثر، زاد حظّي”.
فجأة نلتقي من جديد
روبرتو: أنا في الانهيار الثلجي تعلّمت أنّ الموت ليس مروّعاً إلى هذا الحدّ. كنت أحتضر وأقول: أهذا هو الموت؟ وعلّمني ذلك تقبّل موت الآخرين، المرضى الذين يموتون عندي. سيموتون؛ حسناً، على الأقلّ سرقنا له بعضهم.
جيمي: لا أدري إن كان لأنّ المرء ينضج، لكن لديّ بعض الفضول تجاه الموت، أن أعرف كيف هو. يا لها من خيبة أن ينتهي كلّ شيء، أليس كذلك؟
روبرتو: كلّ ما ينتهي خيبة. لكن فجأة لا ينتهي. فجأة نلتقي من جديد.
سُجِّل في El Suspiro، لافاييخا، في الأسابيع الأولى للجائحة. حُرِّر للقراءة انطلاقاً من النصّ الأصلي للفيديو.
صدى مذهبي: فصل ألبير كامو من العقل المُحاصَر لجيمي بايكوفيسيوس