روني كابلان: المتحدّث جائزةً لحُكم مُستبق
تلفّع الفعل السياسي بلغة قضائية. الشكوى التي قدّمتها PIT-CNT ومجموعة منظّمات ضدّ روني كابلان تتظاهر بفتح نقاش جادّ في القانون الدولي والحرب ومسؤولية الدولة. لكنّها تفتقر إلى الدقّة: تقدّم شعارات. تسعى إلى تجريم رمزي لدولة عبر وجه محلّي.
يميّز القانون بين الاتّهام والحُكم، بين الأوامر التحفّظية والإدانة، بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية الفردية.
تفصل التمييزات القانونية القانونَ عن الدعاية. في يناير ٢٠٢٤، أمرت محكمة العدل الدولية إسرائيل بمنع أفعال الإبادة، ومعاقبة التحريض، وإتاحة المساعدة الإنسانية؛ لم تصدر حُكماً بالإبادة الجماعية. القضيّة لا تزال معلّقة. في نوفمبر ٢٠٢٤، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحقّ بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت ومحمد ضيف بشبهة جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية؛ ليست هذه إدانات نهائية ولا تشكّل، لهؤلاء المتّهمين، اتّهاماً بالإبادة الجماعية.
الإبادة الجماعية ليست لافتة. إنها الجريمة العليا في القانون الدولي. تقتضي نيّة محدّدة، أفعالاً معرّفة، برهاناً ومسؤولية فردية. قد تولّد الحرب دماراً ومجاعة وتهجيراً وموتاً مدنياً دون أن يشكّل أيّ من هذه الكسور إبادة جماعية. الدقّة لا تُعفي: إنها تنظّم الاتّهام.
ثمّة معاناة حقيقية وقاسية في الشعب الفلسطيني. مات عشرات الآلاف من المدنيين، الدمار في غزة هائل، وتدفّق المساعدة الإنسانية عانى عرقلات وتأخيرات ونزاعات وتحويلات واستثماراً من أطراف الصراع. شكاوى الهيئات الدولية حول جرائم حرب ممكنة تستحقّ تحقيقاً دقيقاً.
السابع من أكتوبر لا يُعفي إسرائيل من كلّ مسؤولية. تلقّي مذبحة بوحشية قصوى لا يحرّر دولة من التزاماتها الدولية. الفظاعة الأولى لا تجيز كلّ فعل يليها، لا تمحو التمييز بين مقاتل ومدني، لا تعلّق التناسب ولا تجيز اللامبالاة أمام المجاعة. لا حقّ دفاع رخصةً مطلقة. لا تستطيع العدالة أن تنتقي رحمتها بحسب الراية.
إن ارتُكبت جرائم حرب أو كانت ثمّة مسؤولية جنائية فردية، فليجِب من عليه أن يجيب.
الاعتراف بالمسؤولية الممكنة لدولة إسرائيل لا يقتضي احتمال عملية سياسية تمحو مسؤولية حماس، تقطع تسلسل السببية وتحوّل روني كابلان جائزةً إعلامية لقضيّة أصدرت حُكمها قبل أن تسمع البرهان.
هذا لبّ المناورة.
يجب فحص الحرب في غزة. لكنّ ما نشهده هنا هو التقاط العدالة حلبةَ إعدام سياسي. الشكوى ضدّ كابلان تسعى إلى ربط اسم معروف بأخطر كلمات قانون العقوبات وعرضه أمام الرأي العامّ كأنّ الحُكم قد خُتم سلفاً.
تدين PIT-CNT الانحياز بينما تعرض انحيازها. تقدّم دفاعاً كونياً عن حقوق الإنسان نصّاً يُسقط المذبحة المؤسِّسة للسابع من أكتوبر، والاختطافات، والعنف الجنسي المُبلَّغ عنه، والرهائن، والطابع الإرهابي لحماس. يُسقط، خصوصاً، المعمار العسكري لحماس المغروس في مناطق مدنية، بما في ذلك بنى تحت أرضية وبيئات مجاورة لمستشفيات ومدارس وأحياء مكتظّة.
قطع ما سبق يولّد سرداً لا يُنتقَض: دون السابع من أكتوبر، الحرب عدوان أحادي؛ دون حماس، غزة ضحيّة خالصة بلا فاعلية جنائية داخلية؛ دون استراتيجية استخدام السكّان المدنيين درعاً، تُختزَل قوانين الحرب إلى ديكور.
الديكور يولّد سرداً.
جيش الدفاع الإسرائيلي هو المؤسّسة المركزية لديمقراطية في حرب، يتألّف من يهود ودروز وبدو وشركس وعرب مسيحيين ومسلمين، خاضع لنقاش مجتمعه نفسه، لرقابة محاكمه ولفحص صحافة حرّة. لا يحصّنه ذلك من الخطأ أو سوء الاستخدام أو الانحدار الأخلاقي.
الدفاع الأعمى عن الدولة بائس كالاتّهام الآلي.
طلب توسيع اتّهام الإبادة الجماعية ليشمل متحدّثاً بسبب شرحه العلني لموقف بلده قفزة في الفراغ. الخلط بين دور المتحدّث المؤسّسي والمشاركة الجنائية يقفل القانون. انتقدوه. فنّدوه. سائلوه. لكنّ تحويل التواصل إلى مشاركة جنائية مباشرة يقتضي عتبة برهان تستبدلها الشكوى بالغضب.
أهذا هو السابقة التي يُراد تأسيسها في أوروغواي؟ أن يُلاحَق متحدّثو كلّ دولة في حرب جنائياً بسبب دفاعهم عن السرد الرسمي لبلدهم؟
يفسد الرأسمال الأخلاقي لحقوق الإنسان حين يُستخدَم بمعيار المعسكر. مطلب العدالة يقتضي النظر إلى الصورة كاملة. يقتضي تسمية الضحايا الفلسطينيين والرهائن الإسرائيليين. يقتضي التحقيق في المسؤولية التي قد تقع على إسرائيل دون محو المسؤولية الجنائية لحماس. مطلب العدالة يقتضي ألّا نحوّلها لافتة.
تفصيل واحد يختم طبيعة القضيّة: تصف الشكوى “عملية إبادة جماعية” عملية “عمود السحاب” الإسرائيلية لعام ٢٠١٢، قبل أحد عشر عاماً من الحرب الحالية، التي تسمّيها إسرائيل “السيوف الحديدية”. التوسيع الرجعي لإسناد الإبادة الجماعية إلى عملية منفصلة، متمايزة في الزمن والسياق، يكشف المنهج: كلمة “إبادة جماعية” تعمل فئةً تشمل كلّ شيء، لا تعريفاً جنائياً دقيقاً.
التحدّث بخفّة اللافتة ليس عدالة: إنه مسرح أخلاقي.
العدالة تقتضي البرهان. تقتضي التناسب. تقتضي ما سبق.
الغضب الانتقائي لا يطلب سوى مذنب واحد.
نُشر في La Diaria، صحيفة أوروغوايية من يسار الوسط/اليسار وناقدة للحكومة الإسرائيلية. التحليل بلا راية يبحث عن القارئ الذي يقاومه.
صدى مذهبي: فصل الحُكم المُستبق من العقل المُحاصَر لجيمي بايكوفيسيوس